فنمقابلات

” ثورة السكون” تعبير عن كل أشكال المقاومة

” ثورة السكون” تعبير عن كل أشكال المقاومة

سهى مرعي ..فنانة تشكيلية من مدينة الناصرة، نموذج للفلسطينيات اللواتي رفعن علم فلسطين عالياً في أكثر من محفل بتميزها، ارتبطت علاقتها باللوحة والألوان مبكراً، آخر أعمالها حمل إسم “ثورة السكون”، وقد عرض في متحف محمود درويش في مدينة رام الله، وضم 23 لوحة، بتقنيات مختلطة بين ألوان الأكريليك والزيت والحبر والألوان المائية.

الفنانة سهى (42 عاماً) تابعت دراستها في مدينة الناصرة، عاشت وتعلمت في قرية المشهد ، وهي مدرسة لموضوع العلوم، ومشخصة لقدرات التعلم.

تحدثت مرعي  عن بداياتها فقالت : “منذ الصغر وأنا أشاهد أبي يستمتع بالرسم، فقد كان فناناً ونحاتاً، أحببت الرسم دوماً، لكني كنت أشعر بالحاجة للتفوق العقلي والتحصيل العلمي، لأثبت أني لست ناقصة عقلًا في مجتمع ذكوري يهمش المرأة، والفن مجال فيه حس مرهف وكنت مهتمة بالتواصل مع الصفات الذكورية، كالمنافسة في القوة، وسيطرة العقل على القلب والمشاعر، فأنهيت دراستي بتخصصي بموضوع الكيمياء، وتابعت للقب الأول بموضوع العلوم، واللقب الثاني بموضوع القيادة التربوية بحامعة حيفا، وكان العمل والدراسة يأخذان مني طاقة كبيرة، وكنت مضطرة بالتنازل عن حضوري كأم، ولم أحب الفكرة، وفهمت كم أن الأمومة عندي هي في سلم الأولويات، وحبي لأولادي الثلاثة يسبق كل حلم، فحدث تحول روحي بحياتي، وشعرت أني بدأت أتصالح مع ذاتي”.

وبينت أنها أحبت فكرة أنها أنثى، لا بل وافتخرت بها، فسقطت الحاجة للمنافسة مع الذكور، والحاجة بأن تثبت أي شيء، لأنها لا تريد أن تخسر نفسها في هذا الصراع.

وأضافت : ” رأيت الكثير من النساء تحولن لذكوريات، وكان هذا آخر ما أحلم به، فبدأت أتواصل مع الأنثوي، ووجدت الفن طريقة مناسبة، من خلاله أستطيع أن أرتاح في القلب، فالفن بنظري هو وسيلتنا للتواصل مع الروح والقلب والوجدان، في عالم معظم تفاعلنا فيه يحتاج العقل والماكنة البشرية”.

وقالت مرعي :” أمارس الفن منذ خمس سنوات، وأقمت عدة معارض مشتركة، آخرها كان معرض بعنوان “معاً ولوحدك” في فيينا عاصمة النمسا، ومعرضين فرديين في الناصرة، والأخير كان بإشراف وتخطيط قسم الثقافة في بلدية الناصرة،

والثالت “ثورة السكون” في متحف محمود درويش، وغيرها من معارض مشتركة وورشات فنيه آخرها كان في فيينا”.

وأوضحت مرعي : “أنا أؤمن بأن الفن ليس علماً، لكنه وسيلة نتواصل من خلالها مع الفطرة، والمشاعر التي هي أهم ما يميز الإنسان (لخلاف الروبوتات)، وبدونها يكون منقوصاً”، مشيرة إلى أنها تؤمن أيضاً أن “الثورات الصامتة التي يجند فيها الإنسان العلم والفن والأخلاق، مع تبني الفكر السلمي غير العنيف في تحقيق العدل، الأمن والأمان للأفراد في المجموعات والشرائح المختلفة، هي الوسيلة الأكثر تحضراً لتحويل المجموعات المتناحرة، لفسيفساء جميل، وجماله يكمن في التعددية والاختلاف، والقبعة الأخيرة التي أتواصل من خلالها مع المرأه الأنثى والحبيبة، هي كتابة نصوص أقرب منها إلى الشعر، عن الحب الذي أعتبره القوة الأعظم، وهو الوحيد القادر على تحرير الروح البشرية لعوالم أثيرية متناغمة، بعيداً عن أي صراع”.

وبينت أنها “درست الفنون بمعهد متخصص بمدينة حيفا منه اكتسبت بعض الأسس والتقنيات لكني لم أستمتع أبداً، فقد كنت بحاجة لمساحة الحرية التي أحب الفن لأجلها، فقررت أن أتابع تعلم الفن بشكل ذاتي، مارست كل أنواع الفن، فكان معرضي الأول يغلب عليه الطابع التصويري، ثم شعرت بأن التصويري لا يترك لي مساحة للإبداع فقد أردت أن أخلق شيئاً جديداً لا تستطيع الآله (الكاميرا) بأن تقوم به، كنت أريد لوحة أخلق فيها شيئاً جديداً لم يكن موجود من قبل، وأن أرسمها بإحساسي وليس بعقلي، وأتمرد على قوانين الرسم، لأني لم أرد أن أكون نسخة مكررة عن أحد، بل لي طابع خاص وأسلوب خاص ، طبعاً وجدت نفسي أكثر في الانطباعي والتجريدي، واستخدمت الكثير من أنواع الألوان والتقنيات التي دمجت فيها بعض معرفتي العلمية عن المواد وخواصها”.
تفضيل اللوحة التجريدية
ورأت : “في معرضي الفردي الثاني بدأت أتأكد من أنني بالاتجاه الصحيح، وحين جهزت لمعرضي الفردي الثالث، كنت متأكدة أنني سأعرض فقط اللوحات الانطباعية التجريدية، رغم التخوف الدائم من أن الجموع في بلادنا لازالت تنجذب للفن التصويري، وعبقرية النسخ واللصق كما أسميها أنا”.

وعن معرضها الحالي ” ثورة السكون” قالت: ” في متحف رام الله كانت مفاجأتي كبيرة، حين لاحظت أن معظم الزوار يفضلون لوحاتي التجريدية، وكنت سعيدة بذلك، فقد كان ذلك بمثابة تحد كبير لي، حيث أني كنت أميل لعرض لوحات تتلاءم مع الفكر الغالب للمنطقة التي أعرض فيها، وقد تعلمت ذلك من إحدى المعارض المشتركة الكثيرة التي قمت بها، وإحداها كان ببيت لحم بالمركز الثقافي الروسي، حيث توجه لي أحد الزوار دون أن يعرف أني صاحبة اللوحة وقال لي: “بربك يسمون هذا فناً، وهو بعض الخرابيش ههههه”، لا أنسى ملامح وجهه حين شكرته
على إبداء رأيه بلوحتي، سعدت جداً بالجمهور المتذوق للفن برام الله، وآمل أن أكرر تجربة العرض مرة أخرى في رام الله والقدس، وأماكن مختلفة، مع محاولة تطوير أساليب التسويق للمعرض”.
النور يطرد العتمة
أما عن موضوع الثورة وإسم المعرض والمقاومة، كشفت مرعي، أن حواراً سيجريه معها بهذا الخصوص، المخرج يوسف الديك، في لقاء خاص اليوم السبت، قائلة: “لكني أستطيع أن أقول باختصار، أني وبحكم كوني إمرأة عربيه فلسطينية، نصفي من القرية ونصفي الآخر من المدينة (الناصرة)، أعيش في منطقة صراع دائم سياسياً واجتماعياً طبقياً، فقد تقمصت كل أشكال المقاومة للظلم، ابتداء من المقاومة الجسدية ورمي الحجارة والمشاركة بالتظاهرات، وصولاً إلى الرغبة بالتفوق على الظالم والانتصار عليه، من خلال التنافس مع ذاتي”.
وختمت :”حين كنت أعود من ساحة النضال السياسي للمطبخ، وأرى كيف يعود شريكي في النضال لعرشه الذكوري الذي لم يجتهد ليحصل عليه، فهمت أننا جزء من ثنائيات، تتبدل أدوارنا وفقاً للمنصة التي نقف عليها، فنحن بالنهاية الظالم والمظلوم، الخير والشر، النور والظلام، السكون والحركة.. عندها أيقنت أن موطني في ألا مكان كما قال جلال الدين، أثري بلا أثر، ألقيت بالثنائيات خلف ظهري، لأني فهمت أن الكون واحد لا يتجزأ، فهمت أن علي أن أغير نفسي بدل أن أغير العالم، بدل أن أغرق في مشاعر الدور الذي أؤديه اليوم كضحية وغداً كظالمة غاشمة، علي أن أستثمر في حب ذاتي والآخرين، في الحب الكوني، فوحده النور يطرد العتمة بصمت، من هنا جاء إسم معرضي “ثورة السكون” .

 

نقلا عن وكالة القدس للانباء 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى