الطاولة المستديرة

يشكل الحوار مبدأً أساسيا في تنظيم العلاقات بين الناس و تحقيق اعلى قدر من التفاهم والتعاون بين افراده، إذ من خلاله يمكن اكتشاف اللغة المشتركة ، كما يمكن فهم طبيعة مايدور في داخل كل فرد من افراد المجتمع من هواجس، هموم، مواقف، اتجاهات ، نزعات، طموحات، احلام.. الخ، و تتعدد ادوات الحوار ، اذ انه لا يتوقف فقط على الكلام المباشر بين الافراد والجماعات، بل انه يتخذ أشكالاً مختلفة، من خلال الكلمة المكتوبة ، او من خلال العمل الفني والبرامج الاعلامية، و ايضاً من خلال توفر منتديات و منابر تتيح المجالا للتحاور بين الناس.

ويقوم الحوار على اساس الحاجة، و هو ايضاَ يحتاج الى شروط توفر امكان الحوار، كحد ادنى يحتاج الى الاعتراف بالاخر و باهمية التعاون معه، حقه في التعبير وفي امتلاك موقف ، الاعتراف به كأنسانه موجود، وهو ما يصطلح على تسميته بثقافة الحوار، اي تبلور ثقافة ووعي بالحوار واهميته لتحقيق التعاون والتفاهم مع الاخرين في المجتمع، وهو ما يجعله مبدأً لا غنى عنه، وفي ظل غياب ذلك تسود الفوضى والفردية والاستبداد.

ويعاني المجتمع الفلسطيني من غياب اطر الحوار اللازمة، كل الاطر السابقة الذكر غائبة عن حياة المخيم ، ربما يعود ذلك للافتقاد للادوات اللازمة، غير أنه يعود في جانب من الى غياب ثقافة الديمقراطية والحوار، كما يعود في جانب منه الى تكريس مبدأ الفردية والهمينة بما غيب معه الحوار، كما حرم معه ايضاً المساهمة الحقيقية لكافة الفئات الاجتماعية في هذا الحوار، والحوار ان وجد فهو يتحقق عند الضرورة فقط، أي عند الحالات الطارئة، والحالات الطارئة تتحدد غالباً مع الاستحقاقات السياسية أو الأمنية الداهمة.

تعتبر فئة الشبيبة او الشباب الفئة الرئيسية في المجتمع الفلسطيني في لبنان، الدراسات الاخيرة تؤكد ان نسبتهم تتعدى ال60% لتصل حتى ثلثي المجتمع، ومن المعروف ان حجم المشاكل التي تثقل كاهل الفلسطينيين كبير جداً ، إن كان على المستوى النفسي والمعنوي او على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، خاصة مع السياسات المستخدمة بحق الفلسطيني في لبنان، وهو ما يحقق اكبر ضرر ممكن بالشباب تحديداً.

ان تحقيق اعلى معدل من الشراكة يتطلب وجود او توفر سياسة تشاركية ، ثقافة المشاركة ، وعليه فإنه في الوقت الذي تعتبر هذه الفئة الوقود الذي يدفع المجتمع، فإنها غائبة عن صناعة القرار ، و لا يتم استمزاج رأيها في كل ما يرتبط بمصيرها، مما يجلعها مسيرة تسير وفق الاتجاهات والنزعات، المواقف والاحداث، كما أنه يعطل فرصة تحقيق مشاركة ايجابية وانتاجية ايجابية و يغيب المبادرات الفردية على ضرورتها في متابعة قضايا المجتمع وفي معاجلة مشاكله.

وقد تبلورت قناعة عند الكثيرين بأنه صحيح ان هناك الكثير من الضرر الواقع على المجتمع الفلسطيني بفعل استمرار بعده عن وطنه وعدم تحقق العودة حتى الان، وبسبب السياسات القهرية المتبعة بحقه ، وضعف التزام الشرعية الدولية تجاهه، فإن هناك قناعة راسخة بان جزء من هذه المشاكل والهموم منبعها غياب عنصر التنظيم والنظام و سيادة الفوضى.

وعليه فإن تحقيق التفاهم والتعاون يعتبر أساسي لتحقيق المشاركة الفعالة والانتاجية الايجابية، كما انه يعتبر ضرورة لاكتشاف سبل وامكانيات تخفيف المعاناة و توحيد الجهد الفلسطيني نحو معاجلة قضاياه بشكل جماعي، خاصة أن كل الفلسطينيين متضررين من الوضع القائم.

انطلاقاً من هذا الفهم فقد اولت جمعية ناشط الحوار اهتماماً كبيراً، و اطلقت في سبيل ذلك فكرة مقهى الحوار الشبابي و الطاولة المستديرة .

مقهى الحوار الشبابي

قامت فكرة مقهى الحوار الشبابي على اساس نقل الموضوعات المتداولة فقط بين نخب العمل السياسي والاجتماعي وفي الاعلام فقد لطرحها بين الشباب بطريقة غير تقليدية في مقهى فعلي، والغرض من ذلك تحقيق مجموعة من الاهداف، تبدأ بتكريس عادة وثقافة الحوار بين الشباب و الوقوف على مواقفهم واتجاهاتهم، واخيرا اتاحة الفرصة لهم لطرح وجهات نظرهم و اكتشاف فرص توافقهم واتفاقهم مع نظرائهم الشباب.

هذه الفكرة طبقت بدعم من السفارة الفنلندية في دمشق من خلال قنصلتيها في بيروت، وقد استمرت على مدار سنة، نظمت خلالها 12 جلسة بمعدل جلسة كل شهر، طرح في خلال 12 عنوان لموضوع يهم الشباب والمجتمع الفلسطيني، وشارك في كل جلسة كحد ادنى 45 شاب وشابة ،يضاف الى اشراك ممثل عن اللجان الشعبية ،  كل جلسة كانت تدار من خلال مسير جلسات ، وقد جذبت الفكرة قناة الجزيرة فصورت في احدى حلقات برنامج زمام المبادرة في مخيم عين الحلوة، وعرضت اربع مرات خلال شهرين.

الطاولة المستديرة

فكرة متطورة ومنطلقة من مقهى الحوار، لكنها بشكل مصغر عن المقهى، اذ يشارك فيها ممثلي المجموعات والمنظمات الشبابية في المخيم و تهتم اكثر برصد مواقف و اتجاهات الشباب و رصد امانية تحقيق توافق حول القضايا التي تهم الشباب كاساس لقيام تفاهم وتعاون بين الشباب كافراد او بين المجموعات الشبابية في المخيم.

يشارك في جلسات الطاولة المستدير كحد ادنى ممثل او اثنين من المجموعات الشبابية، و تطرح خلالها قضايا وموضوعات تهم الشباب والمجتمع ككل، وتطرح ايضاً قضايا تتعلق بالمشاركة في صنع القرار ، الديمقراطية،العنف والسلاح،اراء الشباب في كيفية معالجة المشاكل القائمة،و تشارك اللجان الشعبية في هذه الجلسات.